القاضي عبد الجبار الهمذاني
189
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فلا وجه يوجب المنع منه ، بل انتشاره يجب وظهوره ، لأنه أقوى في الدلالة على النبوّات ، إذا كان هذا حاله . واعلم . . أن جميع ما ذكرناه لا يطعن فيما ادّعاه السائل أوّلا ، من أن المستدل إذا علم أن القرآن لم يظهر إلا عليه فالاستدلال به صحيح ؛ لأن الّذي ذكره من العلم متى ثبت فالأمر على ما قاله ؛ وإنما خالفناه في أن هذا العلم ليس بشرط في صحة الاستدلال ، على ما زعم من حيث بينا أن الاستدلال قد يصح من دون هذا العلم ، على الوجوه التي ذكرناها ؛ بل قد ثبت وصح ، على ما بيناه ، أن العلم الّذي ادّعاه لا يصح أن يحصل في القرآن وما شاكله ، من جهة الاضطرار ، ولا من جهة الاستدلال ، وفصلنا بين ذلك وبين العلم بأن الشاعر يختص بشعره ، والمصنف يختص بتصنيفه ؛ وبينا المفارقة بين الأمرين ، في وجوه ، وإن اتفقا في وجوه ؛ وبينا أن العلم الضروري في ذلك إنما يصح أن يحصل ، بأن زيدا هو المختص بالشيء ، دون أشكاله ، ممن يجب أن نقف على أخبارهم ، دون أن لا يجب ذلك فيه . . يبين ذلك : أنا نعلم في إحياء الموتى أنه ناقض لعادة من تعرف عاداتهم ، دون من لا يعرف ذلك من حالهم ، فإذا كان في نقض العادة لا بدّ من اشتراط هذا الشرط ، للعلة التي ذكرناها ، فكذلك القول في العلم بوجه الاختصاص ، أنه لا بدّ فيه من هذه الشريطة ؛ فلذلك قلنا : إن تجويزنا ، أن يحيى اللّه تعالى الموتى ، يجب أن لا يصح أن نعلمه ، لا يقدح في دلالته على النبوّات ؛ فلو أن مدّعى النبوّة جعل دلالة نبوّته إحياء ميت ، بنقض العادة الظاهرة به لكان لا يقدح في صحة تجويزنا أن يحيى اللّه تعالى مثل ذلك الميت ، في البحار ، وفي تخوم الأرضين ، بحيث لا يظهر لأحد ، وكان لا يجوز أن يقال : إن العلم بذلك لا يظهر